Friday, February 23, 2024
الرئيسيةاستثمارات ماليةتنافس عالمي لتعزيز البنية التحتية للمطارات .. 2.5 تريليون دولار مطلوبة حتى...

تنافس عالمي لتعزيز البنية التحتية للمطارات .. 2.5 تريليون دولار مطلوبة حتى 2040

وفقا لتقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” فان الحركة الجوية التجارية تعافت تقريبا من الاضطراب غير المسبوق الذي سببته جائحة كوفيد – 19، ووصلت حركة الركاب العالمية الآن إلى 88 في المائة من مستويات ما قبل الوباء، ووفقا لتقديرات الاتحاد أيضا، فإن مارس الماضي شهد طلبا قويا على السفر الجوي، ما عزز عوامل “الحمولة الدولية”، وهو مقياس لمدى امتلاء طائرات الركاب، بحيث بات هذا المعيار أعلى من مستويات ما قبل الوباء.

لا شك أن تلك الأنباء تعد أنباء سارة لشركات الطيران عبر العالم، وربما تزداد سعادة المسؤولين في شركات الطيران بعد أن رفع الاتحاد الدولي للنقل الجوي توقعاته بشأن أرباح قطاع الطيران، ففي ديسمبر 2022 توقعت “إياتا” ألا تتجاوز أرباح شركات الطيران في 2023 ما قيمته 4.7 مليار دولار، لكن مع زيادة الطلب رفعت توقعاتها في شهر يونيو الماضي لتصل إلى إجمالي أرباح يقدر بـ9.8 مليار دولار، على الرغم من تباطؤ الاقتصاد العالمي.
هذا التطور السريع لانتعاش الصناعة سلط الضوء على الدور الذي بات لا غنى عنه للطيران في عالم اليوم، سواء لربط المجتمعات، أو تسهيل التجارة الدولية، أو إتاحة وتوفير مزيد من فرص العمل بحيث بات نمو قطاع الطيران مساهما قويا وملموسا في النمو الاقتصادي.
لكن صناعة بهذه الضخامة والأهمية، لا يمكن لها أن تكتمل وتنمو دون بنية أساسية عالية الجودة ممثلة في المطارات، حيث تكمن حركة الأشخاص والبضائع وتعمل بوصفها حافزا للنمو الاقتصادي والمجتمعي سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
وفقا لبعض التقديرات الدولية فإن العالم سيكون في حاجة إلى استثمار نحو 2.5 تريليون دولار من الآن حتى 2040 لتعزيز البنية التحتية للمطارات، وسيشمل ذلك تحديث المرافق الحالية إضافة إلى بناء محطات ومدارج جديدة إضافة بالطبع إلى تشييد مجموعة جديدة من المطارات لتلبية الطلب المستقبلي.

الدكتورة لوسي كينسبرج أستاذة التنمية الاقتصادية في مدرسة لندن للتجارة تعلق لـ”الاقتصادية” قائلة “سيكون من الصعب للغاية على الحكومات في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة توفير تلك التريليونات من الدولارات لتعزيز البنية التحتية للمطارات الحالية، وبناء مزيد منها، فالأوضاع الاقتصادية الدولية تجعل هذا التحدي شديد الصعوبة، ولا يوجد بديل عملي غير تعزيز دور القطاع الخاص في إدارة وتشييد المطارات”.
يشير تاريخ تطور المطارات عبر العالم إلى أنها كانت دائما مملوكة وتدار من قبل الدولة أو ما يعرف بالقطاع العام، لكن منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما أصبح السفر الجوي ميسورا لعديد من الأشخاص، زادت الحاجة إلى ضخ مزيد من الاستثمارات لتطوير المطارات لتكون أكثر قدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة للمسافرين، لكن ذلك اصطدم في معظم الأحيان بمحدودية الموارد العامة.

كانت التجربة الأولى لإدخال القطاع الخاص للاستثمار في المطارات في عهد مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة التي تبوأت سدة السلطة من 1979 إلى 1990، وقبل تخليها عن منصبها بنحو ثلاثة أعوام قررت بيع هيئة المطارات البريطانية، وكان هذا القرار بداية لتغير هيكلي كبير للطيران حول العالم.
وتم بيع المطارات والبنية التحتية ذات الصلة حول العالم أو تأجيرها للقطاع الخاص لفترات زمنية طويلة، وتشير الإحصاءات الدولية إلى أنه في 2020 كان ما يقرب من خمس مطارات العالم قد شهد شكلا من أشكال مشاركة القطاع الخاص، وفي بعض من أكثر مطارات العالم ازدحاما تبلغ حصة القطاع الخاص أكثر من 50 في المائة.

لا تقف أهمية مشاركة القطاع الخاص في تملك وإدارة وتشييد المطارات عند حدود قضية التكلفة، والاحتياجات المالية الضخمة لذلك القطاع، التي قد لا تتوافر لدى الحكومات في ظل محدودية الموارد أو تنافس الأولويات الحكومية عليها، ما لا يسمح برصد مبالغ مالية ضرورية للمطارات في الميزانيات العامة، بل إن القدرة على المنافسة في السياق الدولي الراهن تجعل البعض يرى أن مشاركة القطاع الخاص في عالم المطارات باتت حتمية اقتصادية، فالقطاع الخاص يتمتع بدرجة أعلى من المرونة وأقل من البيروقراطية مقارنة بالقطاع العام، وتمكنه تلك المزايا -حتى إن كانت قدراته المالية أقل من الحكومات- من أن يمثل إضافة حقيقية في عالم صناعة المطارات.

في هذا السياق يقول شون كريس الخبير الدولي في مجال الطيران لـ”الاقتصادية”، “بالنسبة إلى المسافر فإن المطارات تشكل الانطباع الأول للمدينة، وتعد مصدر فخر للمدن، وكشركات الطيران حيث يقوم المسافرون غالبا بمقارنة شركات الطيران ببعضها بعضا فانهم يفعلون الشيء نفسه للمطارات، الآن لم تعد المنافسة بين المطارات حكرا على مجموعة من المطارات في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فالمنافسة محتدمة للغاية بين ما يمكن أن نطلق عليه المطارات التاريخية مثل مطار هيثرو والمطارات التي أضحت منافسا حقيقيا سواء في منطقة جنوب شرق آسيا والصين أو منطقة الخليج العربي”.

ويستدرك قائلا “القطاع الخاص نتيجة المرونة وسرعة اتخاذ القرار أقدر على المشاركة في تلك المنافسة، وبفضل المنافسة شهدت المطارات العالمية طفرة في إعادة البناء وأعطت المسافرين نكهة وطعما جديدا للسفر، وقدمت مزيدا من الخدمات للمسافرين، وجميعها خدمات ضرورية مع النمو المستمر للسفر الجوي، ومع زيادة عدد المسافرين كان على المطارات في جميع أنحاء العالم إضافة مدارج وبوابات جديدة وتطوير ذاتها لاستيعاب أعداد أكبر من الطائرات الأضخم حجما”.

ويواصل قائلا “إدخال درجة من قوى السوق في إدارة المطارات يحفز المنافسة بين المطارات سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي، ويرفع من الكفاءة التشغيلية ويتيح اختيارات أوسع للركاب”.
تتباين تقديرات المؤسسات الدولية حول عدد المسافرين جوا حول العالم، فبينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى نقل 4.5 مليار مسافر عبر شركات الطيران على مستوى العالم 2019، ارتفاعا من 1.7 مليار في 2000، بزيادة قدرها 267 في المائة، فإن الاتحاد الدولي للنقل الجوي يتوقع أن يصل إجمالي عدد المسافرين إلى أربعة مليارات مسافر 2024 وهو ما يتجاوز -وفقا لتقديرات الاتحاد- مستويات ما قبل فيروس كورونا الذي سجل 103 في المائة من إجمالي عدد المسافرين 2019.

وعلى الرغم من اختلاف التقديرين، إلا أنهما يشيران إلى زيادة ضخمة في أعداد المسافرين تجعل من تشييد المطارات مشاريع استثمارية مربحة إذا أحسنت إداراتها، إذ تحقق المطارات إيرادات من خلال مجموعة من المصادر الجوية وأخرى غير المتعلقة بالطيران، وتأتي الإيرادات من الرسوم المفروضة على شركات الطيران وعمليات الطائرات بما في ذلك رسوم الهبوط ورسوم مواقف الطائرات ورسوم الركاب ومبيعات الوقود إضافة إلى الإيرادات غير المتعلقة بالطيران من الأسواق الحرة والمطاعم والمتاجر، حيث يلاحظ أن المطارات تحولت في كثير من الأحيان إلى مراكز تسوق ضخمة، أضف إلى ذلك مواقف السيارات وغيرها من الخدمات الأخرى.

وتعد قضية زيادة الإيرادات تحديا رئيسا بالنسبة إلى الأغلبية العظمى من المطارات حول العالم، وربما أطاح وباء كورونا بالقناعات السابقة التي سادت لدى الخبراء بأن الاستثمارات التي تضخ في المطارات سواء لتطويرها أو إنشاء مطارات جديدة استثمارات منخفضة المخاطر، فوقف عمليات السفر خلال جائحة كورونا أسفر عن خسائر ضخمة لكل من شركات الطيران والمطارات على حد سواء.
ولـ”الاقتصادية” يعلق الدكتور باتريك لوكاس أستاذ الإدارة في جامعة لندن قائلا “المطارات شركات كثيفة الأصول وتتطلب استثمارات كبيرة، ويجب أن تحقق كتلة حرجة قبل أن تتمكن من البدء في استرداد قيمة هذه الاستثمارات الضخمة التي ضخت في البنية الأساسية وتكاليف التشغيل ثم تحقق أرباحا في مرحلة لاحقة، وأغلبية المطارات في العالم صغيرة، وفي أوقات ما قبل الوباء كانت 90 في المائة من مطارات العالم لديها أقل من خمسة ملايين مسافر، وتميل المطارات التي تخدم الأسواق الصغيرة إلى ارتفاع تكاليف الوحدة الإجمالية لكل مسافر”.

ويضيف “نسبة كبيرة من المطارات الصغيرة تعمل بخسارة، وفي 2019 كانت 97 في المائة من المطارات التي لديها أقل من مليون مسافر تعمل بخسارة، ويعتمد سبب بقاء المطارات الصغيرة قيد التشغيل على حقيقة أنها تسهم في التنمية المحلية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحيطة بها، وبسبب العوامل الخارجية الإيجابية التي تولدها وتدخل الحكومة في شكل إعانات”.
ويشير تقرير صادر عن المجلس الدولي للمطارات إلى أن زيادة عدد الركاب بنسبة 1 في المائة تؤدي إلى نمو الإيرادات غير المتعلقة بالطيران ما بين 0.7 و1 في المائة، بينما تؤدي زيادة المساحة التجارية بنسبة 1 في المائة إلى نمو صافي الأصول الثابتة بـ0.2 في المائة، وزيادة رضا الركاب عن خدمات المطارات بنسبة 1 في المائة تؤدي إلى نمو الإيرادات غير المتعلقة بالطيران بنسبة 1.5 في المائة.

لا شك أن صناعة المطارات لديها قدرات كبيرة لأن تتبنى مزيدا من التدابير للاستفادة من إمكاناتها الحالية ومن الازدهار المتوقع للسفر الجوي في الأعوام المقبلة، وعلى الرغم من أن أحد الدروس المستفادة من جائحة كورونا هو أن زمن الاستثمارات منخفضة المخاطر قد ولى، بما في ذلك الاعتقاد السابق بأن المطارات خالية تماما من المخاطر الاستثمارية لمجرد أن لها أصولا كثيفة رأس المال، فإن المؤكد أن البحث عن وسائل جديدة وأكثر جاذبية لزيادة إيرادات المطارات سيجعلها صناعة أكثر جاذبية للقطاع الخاص، بما يسمح بمشاركته وضخ رؤوس أموال ضخمة في هذا القطاع الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات